ابن حزم
712
الاحكام
وهكذا ، سائر الأعمال . وهكذا القول عندنا ، فيمن طلق أو عتق أو تصدق بغير نية ، إن كل ذلك لا يلزمه عند الله تعالى ، وإن كنا نقضي عليه بإمضائه ، لأنا لا نعلم نيته في ذلك ، ولو علمنا أنه بغير نية لما حكمنا عليه بشئ من ذلك أصلا ، فلو وصل قوله كله فقال : عبدي حر بغير نية مني لعتقه ، أو قال ذلك في الطلاق والنكاح والصدقة والهبة ، لما أنفذنا عليه شيئا من ذلك أصلا . وكل ما ذكرنا وما لم نذكر من سائر الأعمال ، فلا تجزئ فيه النية دون العمل ولا العمل دون النية ، ولا بد من اقترانهما معا ، لأنه مأمور من الله تعالى بهما معا ، فلا بد في الصلاة من حركات محدودة معمولة مع النية ، ولا بد في الوضوء من مثل ذلك أيضا ، ولا بد في الحج من مثل ذلك ، ولا بد في الصوم من إمساك عن كل ما أمر بالامساك عنه ، مع النية أيضا ، ولا بد في العتق والطلاق ، والنكاح والهبة والصدقة ، من نطق ولفظ مع النية في كل ذلك ، لأنه لا يعلم شئ من ذلك إلا بالألفاظ المعبرة عنه ، وإن انفرد في كل ما ذكرنا عمل دون نية فهو باطل ، وإن انفرد نية فيه دون عمل فهي باطل أيضا . فمن نوى أن يصلي أو يتوضأ ، أو يحج أو يصوم ولم يصل ولا توضأ ولا حج ولا صام فلا شئ له ، فلا يظن الظان أن قولنا اختلف في شئ مما ذكرنا ، بل هو كله باب واحد ، وهو أنه لا بد من عمل ونية ، لا حكم لأحدهما دون الآخر ، ومن خالفنا في هذا فإنه يتناقض ، فمرة يقول بقولنا في بعض المواضع ، ومنها الصلاة ، ومرة لا يقول بقولنا دون دليل ، لكن اتباعا للهوى والتقليد الذي لا يحل . فإن قال : فإنكم تقولون فيمن أفطر ناسيا غير ذاكر لصومه ، أو تكلم أو عمل أو أكل ناسيا في صلاته غير ذاكر أنه في صلاة ، أو قتل صيدا وهو محرم غير معتمد لقتله - إنه لا شئ عليه في كل ذلك . ثم تقولون : من أحدث بشئ يخرج من مخرجيه من غائط أو بول أو ريح أو مذي أو ودي أو مني ناسيا ، أو نام مغلوبا فقد بطلت طهارته وتقولون إن من ذبح أو نحر أو تصيد ، فلم يسم الله تعالى ناسيا أو عامدا ، فكلاهما سواء لا يحل أكل شئ من ذلك فالجواب وبالله التوفيق : أن الأصل الذي تجري عليه الفتيا أنه لا شئ